الأحد، ديسمبر 14، 2014

نظرية الأدب Theory of literature



محمد سليم اختر التيمي        
الباحث في كلية الدراسات العربية    
جامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية، حيدرآباد



مفهوم النظرية : إن النظرية بالمعنى الدقيق محاكاة إبداعية ودراسة منهجية عميقة لطبيعة الأدب وطرق تحليله ونقده، وطائفة من الآراء التي تحاول تفسير الوقائع العلمية أو التخيلية أو البحث عن المشكلات القائمة على العلاقة بين الشخص والموضوع أو السبب والمسبب. و عبارة عن مجموعة من المفاهيم والتعريفات والافتراضات التي تعطينا نظرة منظمة لظاهرة ما عن طريق تحديد العلاقات المختلفة بين المتغيرات الخاصة بتلك الظاهرة ، بهدف تفسير تلك الظاهرة والتنبوء بها مستقبلاً. كما أنها مناقشات كثيرة حول أسئلة مهمة لها علاقة واضحة بالأدب وقراءات كثيرة جدا لنصوص صعبة تتعلق بالتحليل الأدبي والعلمي والنفسي والسياسي والفلسفي.
وإن النظرية في الدراسات الأدبية ليست تقريرا لطبيعة الأدب  أو مناهج دراسته ووظيفته ومعاييره وأجناسه الرئيسية، إنما هي مجموعة من الممارسات في التفكير والتخييل والكتابة والدراسة. وأن الفيلسوف "ريتشارد روني" قد ساق الكلام عن نوع أدبي جديد " تطور نوع جديد من الكتابة في بداية عصر "غوتة" و"ماكولاي" و"كارلايل"، وهذا النوع الجديد من الكتابة ليس تقييما للمزايا النسبية للمنتجات الأدبية، ولا للتاريخ ولا للفلسفة الأخلاقية ولا للتنبؤ الاجتماعي، ولكنه كل هذه الأشياء ممتزجة مع بعضها البعض في نوع أدبي جديد.[1]
وإن النظرية هي دراسة منظمة وتفكيرية عميقة تعتمد على الانتقال من التجربة الاستقرائية إلى المبادئ الصورية الاستنباطية، وتركيب عقلي مؤلف من تصورات متسقة تهدف إلى ربط النتائج بالمبادئ. كما أنها تركيب فكري شامل يهدف إلى تفسير أكبر عدد من الظواهر في مجال بعينه، وهي نسق من المعرفة المعممة التي تفسر الجوانب المختلفة من الواقع.
يقول الأديب العبقري الدكتور جابر عصفور إن النظرية هي ناتج فعل التمفصل الذي يجمع بقدر ما يفصل بين أنساق متباينة من المعرفة، ليؤسس نسقا جديدا بواسطة مراجعة الأنساق القائمة، في علاقاتها بمعطيات جديدة وأوضاع متحولة وصييغ متولدة، يختبرها الوعي الضدي ليعيد تشكيلها في نسق يعد بأن يفسر ما عجزت الأنساق المتاحة عن تفسيره، وأن يستهل ما لا يستطيع غيره المضي قدما فيه. ولذلك تتصف النظرية بصفة النسبية التي تردها إلى لحظة تاريخية بعينها، تسمها بهواجسجها، وتعكس عليها أسئلتها الأساسية التي كانت النظرية استجابة إليها، وذلك في عملية الصياغة الصورية التي تحيل المعطي إلى إشكال، وتنتقل من نسبية اللحظة إلى عمومية المبدأ الصوري الذي يشبه القانون.[2]
ويقول الكاتب الماهر أورتيجا إي جاسيت " العلم ليس سعة اطلاع، وإنما هو نظرية. ويصبح اجتهاد المطلع على العلوم علما حين يحرك الأحداث والمعارف نحو نظرية معينة" [3]
ويكتب الكاتب القدير الدكتور جابر عصفور بقلمه السيال " إن النظرية هي تربط بالممارسة ارتباطا جدليا، فإنها تنير الممارسة وتساعد على تقدمها في الوقت الذي تستقي منها ما يؤكد سلامتها الذاتية، هادفة إلى إلقاء المزيد من الضوء على موضوعها ووضعه مضع المسألة، وما تطرحه النظرية على موضوعها من هذا المنظور، ينطوي على معنى التكرار لأفعال الممارسة والتحدي لها في الوقت نفسه. وإذا كان الهدف من النظرية هو تأسيس بناء أكثر عقلانية ومنهجية، تأكيدا للمكانة المتميزة والمتغيرة للأدب في موازاة المكانة الملازمة للنقد وحال وجوده المستقبل".[4]
معنى الأدب
الأدب فن من الفنون الجميلة كالرسم والنحت والموسيقى ونحوها، وجنة ثمينة للتعبير الجميل عن الشعور الصادق وعما يجول في القلوب والنفوس، ووسيلة هامة لإثارة الانفعالات ودعوة الشعوب إلى مقاصدهم الحقيقية، وتصوير المجتمع الإنساني تصويرا دقيقا بأسلوب جذاب . كما هو الكلام الإنشائي البليغ الذي يقصد به إلى التأثير في عواطف القراء والسامعين، سواء كان شعراً أم نثراً.
وإذا ألقينا نظرة عابرة على كتب التاريخ الأدبي، فنجد معاني الأدب تختلف عبر العصور والدهور. فإذا رجعنا إلى العصر الجاهلي، فنجد كلمة "آدب" بمعنى الداعى إلى الطعام، فقد جاء على لسان الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد :
نحن في المشتاة ندعو الجفلى        لا ترى الآدب فينا ينتقر
ومن ذلك المادبة بمعنى الطعام الذي يدعى إليه الناس. واشتقوا من هذا المعنى أدُب يأدُب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إليها. كما أن هذه الكلمة استعلمت في معنى تهذيبي خلقي، كما جاء في الحديث الشريف " أدبني ربي فأحسن تأديبي"[5].
وفي العصر الإسلامي نجد هذه الكلمة تدور حول المعنى الخلقي التهذيبي والتعليمي، فالنصوص الأدبية نثرا أو شعرا تشير إشارة واضحة إلى طائفة كبيرة من المعلمين تسمى بالمؤدبين الذين كانوا يعلمون أولاد الخلفاء الطرائف والنصوص القرآنية والشعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأيامهم في الجاهلية والإسلام.[6]
وإذا انتقلنا إلى العصر العباسي، وجدنا المعنيين التهذيبي والتعليمي، فقد سمي ابن المقفع رسالتين له  تتضمان ضروبا من الحكم والنصائح الخلقية والسياسية باسم " الأدب الصغير" و" الأدب الكبير"، وأن أبا تمام  سمى الباب الثالث من ديوان الحماسة الذي جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم "باب الأدب" وينطبق هذا المعنى تمام الانطباق على كتاب الأدب الذي عقده البخاري في كتابه الشهير في الحديث المعروف بالجامع الصحيح[7].
وإن هذه الكلمة منذ أواسط القرن الماضي إلى يومنا الحاضر تدل دلالة إلى حد ما، على معنى يقابل معنى كلمة "Literature" الفرنسية التي تدل على كل ما يكتب في اللغة مهما يكن موضوعه ومهما يكن أسلوبه، سواء كان علما أم فلسفة أم أدبا خالصا، فكل ما ينتجه العقل والشعور يسمى أدبا[8].
مفهوم نظرية الأدب عند النقاد
في الحقيقة أن بحث " نظرية الأدب" بحث أدبي قد اختلف فيه الأدباء والبلغاء اختلافا كثيرا، كما أنه بحث صعب لم يستطع أحد منهم أن يعرفه تعريفا واحدا، ويحدد مجاله تحديدا تماما، ويسلط الضوء على طبائعه وظائفه ومعاييره وأنواعه حق التسليط، كما أن بعضا منهم ضل سبيله في تحديد فن الأدب حق التحديد وتحليله حق التحليل وتقويمه حق التقويم.
وقد ظهرت محاولات عديدة ومجهودات كثيرة لتعريف الأدب مع متباينة الألفاظ والجمل، متقاربة المعاني، حيث يمكنك أن تعرفه على أنه " كتابة تخيًلية" Imaginative بمعنى التخييل (Fiction) أي كتابة ليست حقيقية بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكن هذا التعريف قاصر عن أن يفى الأدب حقه عبر تاريخه عند الناقد رينيه ويليك[9]. ويقول رومان جاكوبيسون صاحب مصطلح " الأدبية" إن "موضوع علم الأدب ليس هو الأدب، بل الأدبية، وهي كل ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا" [10]. ويقول أرسطو في كتابه المشهور " فن الشعر" إن الأدب عبارة عن ظاهرة طبيعية محكومة بأصول[11].
 ومما لا يشوبه أية شائبة أن غيبن كان يكتب الحقيقة التاريخية، وربما هكذا مؤلفو سفر التكوين، ولكنهم يُقرؤون الآن بمثابة " واقعة " من قبل البعض، و" تخييل" من قبل البعض الآخر، ومن المؤكد أن نيومان تأملاته اللاهوتية حقيقية ولكنها اليوم " أدب" بالنسبة لكثير من القراء. ومن المعلوم لدى الجميع أن الأدب حين يضم الكثير من الكتابة الوقائعية، يُقصي أيضا قدرا وافرا من التخييل. كما أن مجلة سوبرمان وروايات ميلزوبون هي تخييليية ولكنها لا تعتبر أدبا على العموم، وهي لا ترقى إلى مصاف الأدب بالتأكيد[12].
ومن الممكن تعريف الأدب ليس تبعا لما إذا كان تخييليا أو تخيليا، وإنما لأنه يستخدم اللغة بطرائق غير مألوفة. فالأدب هو نوع من الكتابة التي تمثل عنفا منظما يُرتكب بحق الكلام الاعتيادي. كما يقول الناقد الروسي رومان جاكوبسون " إن الأدب يحول اللغة الاعتيادية ويشددها، وينحرف بصورة منظمة عن الكلام اليومي"[13]. وهذا هو تعريف وحيد ذهب إليه الشكلانيون.
وإن الشكلانيين [14] قد انطلقوا من رؤية العمل الأدبي بمثابة حشد تعسفي إلى هذا الحد أو ذاك من الصنعات، ولم يتوصلوا إلا لاحقا إلى رؤية هذه الصنعات بمثابة عناصر أو وظائ مترابطة ضمن نظام نصًي كلًي. وتضم هذه الصنعات كلا من الصوت والمخيلة والإيقاع والنحو والعروض والقافية والتقنيات السردية.
وإن نظرة الأدب تحيط بكل من التاريخ الأدبي والنقد الأدبي، ولن يستطيع أحد من الأدباء والنقاد والمؤرخين أن يصور حق التصوير أية من الأنماط الثلاثة بدون البعض، ويفهم بدون الأخر، كأن نظرة الأدب جزء متين لا يتجزأ من التاريخ الأدبي والنقد الأدبي. وجرت محاولات كثيرة للتسليط الضوء على كل من النظرية الأدبية والنقد الأدبي والتاريخ الأدبي بغاية من التوضيح والتبيين، فقال بعض النقاد إن نظرية الأدب فن مستقل وفن آخر لا صلة لها بالنقد الأدبي والتاريخ الأدبي، وقال البعض إن كلا من الأنماط الثلاثة يستوعب الآخر، بحيث لا يمكن فهم نظرية الأدب بمعزل عن النقد أو تاريخ الأدب، أو فهم النقد دون نظرية الأدب والتاريخ، أو التاريخ من دون نظرية أو نقد.
وقال البعض إن نظرية الأدب تتحدث دائما على طبيعته ومعاييره ووظائفه وأجناسه، ولن تستطيع أن تقوم على الأحكام التقويمية، كما أن النقد الأدبي يقوم على الأحكام التقويمية ويحلل النصوص الأدبية تحليلا دقيقا ويشير إلى الشروط والقواعد التي وضعها الناقد لفهم النصوص الأدبية فهما جيدا بدون التعرض للعراقيل والمشكلات والصعوبات.
نظرا إلى الاختلافات التي جرت بين الأدباء والنقاد، استطيع أن أقول بمزيد من الاطمئنان إن كلا من ألوان الأدب الثلاثة فن مستقل له علاقة وطيدة بالآخر، ولن يستطيع أحد من الأدباء والنقاد أن يفهم معنى الأدب كما كان حقه بدون الآخر من الأنماط الثلاثة. كما يقول الناقد الكبير رينيه ويليك " إنها تستلزم بعضها بعضا بشكل يبلغ من شموله أننا لا نستطيع تصور النظرية الأدبية بدون نقد أو تاريخ، أو النقد بدون نظرية أو تاريخ، أو التاريخ بدون نظرية ونقد" [15].
وإن الدكتور أحمد محمد ويس قد كتب بقلمه الفياض في مقدمة " دراسات مختارة في نظرية الأدب" "نظرية الأدب تختلف عن النقد الأدبي من حيث إن النقد يعنى بدراسة أعمال أدبية محددة لهذا الأديب أو ذاك دراسةَ تحليل وتقويم. كما أنها تختلف عن تاريخ الأدب من حيث إن الأخير يعنى بدراسة ما حول النص من ظروف سواء في ذلك ما اتصل بكاتب النص أو ببيئته، وكذلك يعنى بالتبدلات الكبرى في الموضوعات وظروف هذه التبدلات وأسبابها[16].
 نظرية الأدب عبر التاريخ
 إن تاريخ النظرية الأدبية قديم قدم البشرية ذاتها، و جذورها ممتدة بعيداً إلى اليونان القديمة في "كتاب فن الشعر لـ" أرسطو" ، وفي الهند " كتاب ناتيا شاسترا لبهاراتا موني"، ولونجينوس في روما القديمة و الجاحظ وعبد الله ابن المعتز في الحضارة الإسلامية الرائدة. كما أن نظريات علم الجمال في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كانت ذات تأصير كبير على على الدراسة الحديثة للأدب. ويعتبر كل من النقد الأدبي ونظرية الأدب مرتبطا شديدا بشكل كبير بتاريخ الأدب.
وبدأ وصف نظرية الأدب الحديث في حوالي سنة 1950 مع ازدياد تأثير البنيوية اللغوية لفرديناند دي سوسير على اللغة الإنكليزية والنقد الأدبي. وتأثر النقد الجديد والأعمال الأوربية بالتشكيلية وخاصة التشكيلية الروسية وقد وصفت أعمالهم بأنها أكثر تجريد ونظرية. ولكن تأثيرها لم يكن كما كان تأثير البنيوية على اللغة الإنكليزية في الأوساط الأكاديمية والتي رأت من نطرية الأدب مجال موحد.
لقد بدأت شعبية نظرية الأدب في الأوساط الأكاديمية بالنمو اعتباراً من سنة 1960 في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حيث بدأ تأثيرها ينتشر خارج حدود الجامعات النخبوية مثل جامعة جونز هوبكينز. وخلال هذه الفترة كان ينظر إلى نظرية الأدب على أنها الرؤوية الأكثر تطوراً وسعت معظم الجامعات والهيئات الأكاديمية في إدراج نظرية الأدب في مناهجها الدراسية.
بدأت شعبية نظرية الأدب بالهبوط مع بدايات عام 1990 وفي عام 2004 ظهر جدال حوال استخدام نظرية الأدب في المناهج الدراسية.
الفرق بين علم الأدب ونظرية الأدب
حينما نتصفح أوراق كتب التاريخ الأدبي والمعاجم القيمة، فنجد فرقا بعيدا بين علم الأدب ونظرية الأدب، لأن علم الأدب يدل دلالة واضحة على العلوم الطبيعية والاجتماعية، وعلى العلوم التي تتبعها الطبيعية والفلسفة من طرق البحث والدراسة، ومن المعلوم لدى الجميع أن هذه العلوم لا علاقة لها بالأدب من أية من النواحي المتنوعة. وأما نظرية الأدب، فهي تعني بالمعنى الدقيق لكلمة الدراسة المنهجية لطبيعة الأدب وطرق تحليل الأدب. فيقول الناقد الكبير رينيه ويليك في كتابه المقدس" مفاهيم نقدية" " فمصطلح Literaturwissenschaft (علم الأدب) احتفظ في الألمانية بمعناه القديم، الذي يدل على المعرفة المنظمة، لكنني أميل إلى الدفاع عن المصطلح الإنكليزي Literary theory (النظرية الأدبية) كمصطلح أفضل من علم الأدب، لأن كلمة Science  (علم) في اللغة الإنكليزية أخذت تدل على العلوم الطبيعية، وتدل على تقليد ما تتبعه العلوم الطبيعية من طرق البحث وما تزعمه ليفسها من قدرات، وهي دلالات يحسن بالدراسات الأدبية أن تتفاداها، لأنها مضللة" [17].
الفرق بين فن الشعر ونظرية الأدب
من الحقائق الواضحة أن فن الشعر لا يدل دلالة قاطعة إلا على الكلام الموزون المقفى الذي نعبر عنه بالشعر أو النظم في هذه الأيام. ولا يمكن أن يراد به لونا أدبيا من ألوان الروايات والمسرحيات والكوميديا والدراما والمقالات المنشورة في المجلات والجرائد والصحف والكلام المنثور الذي يصور المجتمعات الإنسانية تصويرا دقيقا بأسلوب جذاب وأسلوب خلاب. وأما نظرية الأدب، فهي مجال واسع يأتي إليه كل لون أدبي من ألوان الكلام المنظوم والمنثور الذي يعبر عما يحدث في المجتمع البشري من الآلام والأفراح والمصائب والسعائد بشكل الروية والمسرحية والقصص الفكاهية. فيكتب الناقد المثالي رينيه ويليك " إن مصطلح literary theory ( نظرية الأدب) أفضل من poetics (فن الشعر)، لأن كلمة poetry (الشعر) في الإنكليزية ما تزال محصورة بالمنظوم من الكلام، ولم تكتسب المعنى الواسع الذي تعنيه الكلمة الألمانية Dichtung ، ولذا فإن كلمة البويطيقا أو فن الشعر تستبعد النظر في أشكال أدبية كالرواية أو المقالة، ولربما أوحت أيضا بشئ من الإلزام إذا فهمت على أنها مجموعة من المبادئ التي لا بد أن يلتزم بها الشعراء[18].
وظيفة الأدب
التحدث عن وظيفة الأدب تحدث مهم يحتل مكانة عظيمة وأهمية سامية في نظرية الأدب، وأن الأدب الذي ليس له أية من الوظائف النبيلة والأهداف الهامة، يعد ضربا من ضروب اللهو، وعملا من أعمال الهزل، وعملا يخلو من التأثير بين القراء والباحثين والدارسين والأدباء والنقاد. وأن الأدب الذي يخلو من الوظائف، لا يستطيع أن يؤدي مسؤليته الأساسية كما كان حقها. وبدون دراسة وظائف الأدب المضنية ومطالعتها العميقة لا نستطيع أن نتحدث بمزيد من الإطمئنان عن قيمة العمل الأدبي ومعاييره القيمة، ولا نستطيع أن نحلل حق التحليل أية من النصوص الأدبية نثرا كان أو شعرا، ونقوم الأحكام التقويمية حق التقويم.
وتاريخ وظيفة الأدب قديم قدم البشرية ذاتها، وأول من عنى بالتحدث عنها وهو أفلاطون الذي كان يريد أن ينفى أن للأدب علاقة بالمعرفة، وأن يقول إنه نشاط هازل، أو عمل لا يكتسب صفة الجدية على الأقل[19]. وتدل هذه الأفكار والتخيلات دلالة قاطعة على أن أفلاطون ركز الانتباه على التلازم الضروري بين طبيعة الأدب وظيفته في أي بحث منهجي يتعلق بالقيمة. وهذا الشئ يتبين بصورة واضحة في فيما وصلنا من كتاب " فن الشعر". وأن الناقد الكبير أرسطو قد لفت نظره فيه إلى طبيعة الشعر القصصي والملحمي والدرامي، وانتهى إلى أنه نشاط مختلف عن كل من الفسلفة والتاريخ[20]، كأنه نشاط تخيلي قوامه الخرافة أو الحكاية المخترعة.
وأما العصور الوسطى، فكانت سادت عمت العالم كله الحضارة الإسلامية النيرة كما كان حق التعميم، وهي كانت حضارة رائدة مثالية تشير إلى أن العرب لم يكونوا يهتمون بالوظيفة التي عنى بها أفلاطون وأرسطو وغيرهما في يونان القديمة وروما القديمة، ولم يحاولوا أن يحددوا له وظيفة غير الوظيفة التي كان يؤديها الشعراء والأدباء آنذاك، ولم يفكروا أي تفكير عن ظيفة كانت تؤديها الأنواع الأدبية التقليدية التي كانت معروفة لديهم، بل إنهم يعتبرون الشعر "غاية بلا غاية"، ويرون في الشعر عطاء عبقريا وسراجا وهاجا يستنير به الناس في حياتهم. وأن الشعر العربي يحيط بالغزل والوصف والهجاء والمدح والرثاء والوقوف على الاطلال والتغني بالذكريات الماضية من الحرب وبطولات الأباء والأجداد ومآثرهم ومفاخرهم بالنسب والحسب، بالإضافة إلى التعبير عن آلام الأمة وأفراحها والأحوال الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية وغيرها من الأحداث والوقائع التي تحدث في المجتمع البشري.
ومما يليق بالذكر أن العرب يشيد بالبراعة اللغوية كما كان حق الإشادة، يتمتعون بها تمتعا تاما، ويسابقون إليها إلى أقصى حد. كما أنهم لا يأخذون الكثير مما يقوله شعراؤها مأخذ الجد، ومن ثم يكتفون بالمتعة التي يثيرها الشعر فيهم، بالإضافة إلى المنفعة الثانوية التي يجدونها في الإعجاب بالمآثر، وفي التغني بالقيم التي يعتزون بها من مروءة وكرم ونجدة وشجاعة.
ولما ظهرت الفلسفة الوضعية أو التجريبية في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، تأثر بها المشتغلون في الأدب، وكثر الحديث عن الوظيفة الاجتماعية التي تعد وظيفة رئيسية للأدب. وأن هذه الوظيفة الأدبية وظيفة قيمة تعبر عن الأحوال الاجتماعية من الآلام والسرور والمشكلات والأفراح ، وعما يجول في القلوب والنفوس  في الأيام الإنسانية، كما أنها وظيفة مهمة تدعو الناس المترحين تحت ويلات الشرك، من الظلمات إلى النور، والفواحش والمنكرات إلى الطريق القويم والصراط المستقيم.
وبعد هذه الفلسفة الوضعية التي تشتهر بـ"الفلسفة الطبيعية" ظهرت المدرستان العظيمتان في سماء الأدب، ولعبتا دورا فعالا في تحديد الوظائف الأدبية إلى حد ما. وإحداهما تعرف بـ" المدرسة الواقعية الاشتراكية" متأثرة الفلسفة المادية الجدلية، والثاني يعرف بـــ" الفلسفة الوجودية". وهاتان المدرستان متفقتان إلى حد أقصى، مع المدرسة الطبيعية فيما يتعلق بالوظيفة الاجتماعية للأدب على الرغم من الاختلافات الكثيرة في المسألة الأخرى بينها.[21]
ومن الوظائف الهامة الأخرى التي ينهض بها الأدب والفن والمعرفة وأثرها في الأفراد والمجتمعات، وهي أن الأدب يقوم بتهذيب الأذواق وتنمية إنسانية الإنسان، ويوجه المجتمع كل توجيه إلى التخلص من  الخرافات والأدوية الشعبية التي عمت العيون وسادتها. ويقول الناقد العبقري ميخائيل نعيمة في مقالة له بعنوان "ماهية الأدب ومهمته"، من مجموعة (دروب)، التي صدرت عام 1932: " وإذن فمهمة الأدب هي التعبير عن الإنسان وكلِّ حاجاته وحالاته تعبيراً جميلاً صادقاً من شأنه أن يساعد الإنسان على تفهم الغاية من وجوده، وأن يمهد الطريق إلى غايته. وإذن فللأدب رسالة سامية، وكل من أنكر على الأدب رسالته كان مارقاً من الأدب".
الأجناس الأدبية
سياق البحث عن الأجناس الأدبية بحث صعب لقلة المصادر والمراجع واختلافات النقاد والأدباء والباحثين والدارسين، كما أنه بحث قيم يحتل مكانة مرموقة ومنزلة رفيعة في سماء نظرية الأدب. وإذا تصفحنا أوراق الكتب الأدبية بإمعان النظر، فنستطيع أن نقول بشئ من الإطمئنان أن تاريخ الأجناس الأدبية قديم يرجع إلى ما يرجع إليه تاريخ التنظير الأدبي. وأول من اهتم بها وهو أفلاطون وتلميذه البارع أرسطو قبل الميلاد.
وفي البداية لا يطبق الأدب تطبيقا ولا يطلق إطلاقا إلا على ما يسمى بــــــــــ" الشعر " (poetry) حتى تلألأ إسم الناقد الكبير جورجياس في سماء الأدب، وأدخل " النثر تحت جناح السنن البلاغي باعتباره خطابا معرفيا وموضوعيا جماليا [22]"، وضم إليه أحسن التعبيرات والاستعارات النادرة والكنايات والسجع وتناظر الجمل وتقوية الطباقات، وحاول محاولة مضنية لتطويره وترويجه مع الشعر، وانضم معه فئة كبيرة من الدارسين والنقاد الفائقين، وألفوا فيه كتبا كثيرة حتى غلب النثر على الشعر كما كان غلوبه، وصار عال عليه للتأثير على القراء أكثر منه، وهذا يتضح فيما قال أفلاطون على لسان سقراط " كائنا أثيريا مقدسا ذا جناحين"[23].
وإن أرسطو قد ساق الكلام عن الأجناس بشئ من الإيجاز الدقيق والاختصار، وأشار إلى ثلاثة أجناس رئيسية في كتابه الشهير في نظرية الأدب " فن الشعر"، فيما يلي :
1.    الملهاة : فهي محاكاة الأراذل من الناس، لا في كل نقيصة، ولكن في الجانب الهزلي الذي هوقسم من القبيح.
2.    المأساة : فهي محاكاة فعل نبيل تام، لها طول معلوم بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء، وتتم بواسطة أشخاص يفعلون، لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف، فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات.
3.    الملحمة: لم يتحدث الناقد عنها تحدثا خاصا، بل أنها مأخوذة من المأساة التي تطورت عن شعر الأناشيد والمدائح، وتشترك الملحمة والمأساة في أن كلتيهما محاكاة للأخيار في كلام موزون[24].
وقد بث بعض النقاد والباحثون الشكوك والشبهات حول الأجناس الأدبية وحقائقها، وأنكروها في سماء الأدب إنكارا تاما بأية من النواحي المتنوعة. وفي مقدمتهم الناقد الكبير كروتشه الذي يقول " إن هذه التقسيمات التي ما فتئ النقاد يلجئون إليها إنما هي تقسيمات مدرسية لشئ لا يمكن تقسيمه"[25]. ولكن أكثر النقاد ذهبوا إلى الأجناس الأدبية، وردوا عليه ردا تماما، وهاجموا عليه مهاجمة أدبية بأسلوب أدبي وأسلوب خلاب.
وأما العصر الحديث، فإذا ألقينا نظرة عامة على الكتب الأدبية المعاصر، نجد أن النقاد والدارسون والباحثون  اتفقوا على الأجناس الأدبية بلا اختلاف، وقسموها إلى قسمين رئيسين فيما يلي :
1-          النثر                                    2- الشعر
النثر: هو كلام مُرسل لا يتقيّد بالوزن، وأن النثر ينقسم إلى التاريخ والخطابة و الرواية والمسرحية والنثر التعليمي والرسائل، وكل نوع منها يحيط بفروع كثيرة ذات أهمية بالغة، وكل فرع منها فن مستقل في سماء الأدب.
الشعر: وهو الكلام الموزون المقفّى الذي يصوّر العواطف والمشاعر والانفعالات تصويرا أدبيا . وله أربعة أنواع مهمة فيما يلي بغاية من الإيجاز:
1-    الشعر الغنائيّ : وهو القصائد الشعريّة التي تطرق غرضاً من الأغراض ، مثل : المدح والهجاء والرثاء والفخر والغزل والحكمة.
2-    الشعر القصصيّ أو الملحميّ : هو الذي يروي سيراً و بطولات تاريخية ، وهذا النوع قليل في الشعر العربي وكثير في الشعر الأجنبي .
3-    الشعر التمثيليّ أو المسرحيّ : هو الذي يُكتَب لـيُقال على المسرح على لسان شخصيات ناطقة ، وهو أيضاً قليل في الشعر العربي وكثير في الشعر الأجنبيّ .
4-    الشعر التعليمي : هو الذي ينظم فيه الشاعر علماً من العلوم ، ليسهل حفظه. وهذا قسم لم يذكره إلا بعض الأدباء والشعرا.

المذاهب الأدبية
لم يتطور الأدب كما كان حق التطور، ولم ينهض كما كان حق نهوضه إلا في العصر الحديث عامة والقرن الثامن عشر الميلادي خاصة، ومع تطور الأدب في أنحاء العالم، كثر الدارسون والباحثون والأدباء والنقاد بمرور العصور والدهور، واختلفت الآراء الأدبية عن البعض في نظرية الأدب وطبيعته ومعاييره ووظيفته وأجناسه، وهكذا نشأت وترعرعت المذاهب المختلفة في سماء الأدب، وحاولت محاولات جبارة لترويج مذاهبه الأدبية بالتصانيف والتأليفات وإصدار المجلات والرسال اليومية والأسبوعية والشهرية وإنشاء المدارس والمعاهد. وهناك استعرض هذه المذاهب التي تتعاوننا في فهم نظرية الأدب حق الفهم في العصر الحديث. وهي فيما يلي:
المذهب الكلاسيكي: وأن هذه المدرسة مدرسة شعرية أدبية لها أسماء عديدة، فمنها: "مدرسة الإحياء والبعث" و" المدرسة الإتباعية" ولكنها اشتهرت باسم"المدرسة الكلاسيكية الجديدة". كما أنها ظهرت في القرن السابع عشرالميلادي في إيطالييا، ثم انتسرت في أوربا كلها، ثم ظهرت في الشعرالعربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي على يد الأديب الماهر والشاعر الكبير المصري محمد سامي البارودي الذي نهض بالشعر العربي من قاع الضعف الذي كان فيه في العصر العثماني وبداية العصر الحديث، ونفخ فيه من روحه القيمة، هيّأ له جوءا صافيا للنهوض، ورد له الحياة القوية، وبذلك عد رائدا لهذه المدرسة الشعرية الأدبية، ثم حذى الشعراء والأدباء الآخرون على حذو الشاعر الكبير محمود سامي البارودي في هذه الحركة، ونشروا فكره المشرق ورحه المتألقة بكل من الطرق المختلفة، وانضموا إلى هذه المدرسة الكلاسيكية الأدبية، وفي طليعتهم إبراهيم اليازجي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد محرم وعلى الجارم ومعروف الرصافي وغيرهم.
 وأن الموضوعات القيمة التي تدور حول هذه المدرسة الشعرية وهي أن الشعراء لهذه الحركة صوروا أحداث عصرهم وقضايا وطنهم ومشكلاته السياسية والاجتماعية تصويرا دقيقا بأسلوب أدبي خلاب، وعبروا عن مشكلاتهم الذاتية بعبارة سهلة وتعبيرات حسنة، كما أنهم خلصوا الشعر العربي من قيود الصنعة والمحسنات، وفتحوا له مجالات جديدة بما قالوا في الشعر السياسي والاجتماعي والتاريخي والقصصي وشعر الأطفال. وبهذه الموضوعات المهمة والأغراض النبيلة نالت هذه المدرسة الكلاسيكية رواجا عاما في الأوساط الأدبية في كل عصر ومصر، ولها الفضل الكبير في ترويج اللغة العربية وآدابها وثقافتها النيرة في أنحاء العالم.
وأن هذه المدرسة الكلاسيكية تتصف بالخصائص والمزايا التي لا توجد في غيرها وهي العقلانية التي تتمظهر في الوضوح الفكري، والموضوعية الناتجة عن الالتزام بالعقل والمنطق ومواضعاتهما، والتزام القواعد التي تحقق التوازن بين العاطفة والفكر، وبين الشاعر والجمهور، وبين المضمون والشكل، وهذا التوازن هو سر الجمال وجوهره الحقيقي. ومن الخصائص الأخرى للكلاسيكية مشابهة الحقيقة وذلك بمحاكاة الواقع الخارجي، والالتزام بمقومات الأخلاق والقيم الفاضلة.
 وأما صفات الأسلوب الكلاسيكي فيمكن حصرها في خاصية الاختيار والنظام والبساطة والقصد إلى العادي والوضوح والميل في شعرنا العربي الحديث إلى البحور الطويلة النفس كالبحر الطويل والبسيط والكامل والوافر والتمسك بمعايير عمود الشعر العربي القديم والنظم على القالب الخليلي ذي نظام الشطرين ووحدة الروي والقافية، والإكثار من صور التشبيه ولاسيما الحسية منها. كما تمتاز اللغة بالجزالة والرصانة وقوة السبك وغرابة الألفاظ غير المألوفة لن[26]ا.
المذهب الرومانسي: وأن هذه المدرسة مدرسة شعرية معروفة بـ "المدرسة الابتداعية"، ظهرت في القرن الثامن عشر الميلادي في ألمانيا، ثم عمت أوربا كلها، وأن هذه المدرسة لم تقتصر على الادب، بل إنما صارت طابعاً للعصر بجميع فنونه حتى سموها "مرض العصر" .
          وأن هذه الحركة الأدبية ظهرت في الشعرالعربي مع بداية القرن العشرين على يد الأديب الأريب والشاعر الأصيل خليل مطران الذي قام بمجهوداته الجليلة ببناء هذه الحركة الأدبية، ولم يالو جهدا في نهضتها ونيلها قبولا حسنا في الأوساط الأدبية أكثر من الحركات الشعرية في العصر الحديث، وبذلك عدّ رائد هذه الحركة الرومانسية الأدبية، وأن هذه الحركة قد تمثلت في مدرستين متعاصرتين:
إحدهما داخل الوطن العربي، بدأت بشاعرالأقطارالعربية خليل مطران في سماء الأدب العربي، ثم تطورت على يد جماعة الديوان، وروادها عباس محمود العقاد وعبدالرحمن وإبراهيم عبد القادرالمازني الذين يطلق عليهم الجيل الجديد، ثم تطورت بعد ذلك على يد جماعة أبوللو متأثرة بشاعر القطرين خليل مطران وجماعة الديوان، ومن أشهر شعرائهم أحمد زكي أبوشادي وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه وأبوالقاسم الشابي وغيرهم.
          وأن الموضوعات المهمة والأهداف السامية التي تدور حول هذه المدرسة الداخلية وهي تغير الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية، والدعوة إلى الوطن وتحرير الوجدان الفردي والجماعي والتمرد على الكلاسيكي وما إلى ذلك من الموضوعات القيمة.
وثانيها خارج الوطن، وهي مدرسة المهاجر المعروفة بـ"ادب المهجر"، لأن كثيرا من اللبنانيين هاجروا من لبنان إلى الأمريكيتين الشمالية والجنوبية من فساد الحكم العثماني وما نشأ منه من استبداد ومن سوء الحالة الاقتصادية التي أدت إلى فقر البلاد، وكونوا فيها جاليات عربية كان لها نشاط أدبي متعددة المظاهر، فأسست في أمريكا الشمالية جمعية أدبية بإسم" الرابطة القلمية " عام 1920م، ومن أبرز شعرائها جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبوماضي ونسيب عريضة وغيرهم، وهؤلاء هم الذين قادوا حركة التجديد في شعراء المهاجر، كما أسست في أمريكا الجنوبية وخاصة البرازيل جمعية أجنبية أخرى بإسم" العصبة الأندلسية، وهذه الجمعية الأدبية أميل إلى المحافظة ودعم الصلات بين الشعرالجديد والشعرالقديم. ومن أشهرشعرائهم رشيد سليم الخوري وشفيق المعلوف وإلياس فرحات وغيرهم.
          وأن شعر هذه المدرسة الشعرية الخارجية يدور حول جو من الحرية التي لم يتح لهم في الشرق، وتفاعل شخصيتهم الشرقية مع الغرب الجديد واتصالهم الوثيق بثقافات أجنبية وبألوان أخرى من الأدب تختلف في اتجاهاتها وأساليبها عما ألفوه في الشرق.
          ومما يجدربالذكر أن هذه الحركة الرومانسية تتصف بالمزايا والخصائص، وهي ثورة على العقل وسلطانه، وعلى الأصول والقواعد السائدة في الكلاسيكية كافة، بعبارة أوسع وأشمل وتعبيرات حسنة وجمل جميلة، كما أنها تهدف إلى التخلص من سيطرة الآداب الإغريقية والرومانية، وتقليدها ومحاكاتها، وبخاصة حينما أخذت أقطار أوروبا تأخذ نفسها نحو الاستقلال في اللغة والأدب والفكر[27].
مدرسة الحر: أن مدرسة الشعرالجديد هي طريقة قيمة من التعبير عن نفسية الإنسان المعاصر، وقضاياه ونزوعاته وطموحه وآماله، ظهرت لعوامل متعددة منها الرد على المدرسة الابتداعية " الرومانسية" الممعنة في الهروب من الواقع إلى الطبيعة وإلى عوالم مثالية. وأن الشاعر في الشعر الحر لايتقيد ببحرواحد أو قافية واحدة أو إيقاع واحد، بل إنما يعتمد على الوحدة العضوية، ويشكل القصيدة كلاما متماسكا من حيث الشكل والمضمون.
          وأن هذه المدرسة الحرية ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية على يد الشاعرة الماهرة العراقية نازك الملائكة التي ولدت في أسرة أدبية، ونشأت في بيئات شعرية، وتلقت العلوم الشعرية في المدارس المختلفة في الداخل والخارج، وأتقنت اللغات العالمية الحية، وطالعت الكتب الشعرية باللغات المختلفة بإمعان الفكر وتدقيق النظر وإطالة الروية، وقالت الشعرالحر أول مرة، والتي لها القدح المعلى في تأسيسها ونهضتها وجعلها رواجا عاما في الأوساط الأدبية، وعلى الرغم من ذلك أن بواكير الشعرالجديد بدأت في الظهور على أيدي بعض الشعراء العرب الذين جاؤا بشعر يختلف من حيث المضمون والموضوع والشكل عن كل ما كان مألوفا في عالم الشعر، وكان معظم روادها رومانسيين ثم تحولوا إلى الواقعية. ومن الشعراء الذين لعبوا دوراً حيويّاً في ترويج الشعر الحر في سماء الأدب العربي وهم عبد الباسط الصوفي وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمود حسن إسماعيل وغيرهم.
          وأما الموضوعات المهمة، فهي تدور حول ما أحدثه الحرب العالمية الثانية من تغيرات سياسية واجتماعية، والصراع المذهبي بين المعسكرين الشرقي والغربي، وحركات التحرر السياسي والاجتماعي في إفريقيا وآسيا، وانتشار الثقافات الداعية إلى التحرر وحقوق الشعوب، وهزيمة العرب في فلسطين ونكبة الشعب الفلسطيني، محاربة الزيف والفساد والتخلف في المجتمع، والدعوة إلى حياة أفضل تسودها العدالة والسلام وغيرذلك.
          وأن الخصائص والمزايا التي تتميز بها هذه المدرسة الشعرية وهي أن الشاعريعبر بأسلوب خلاب أدبي عن معانات الإنسان وحياته اليومية وقضاياه النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما أن الشعرالحر شعر واضح يتحدث فيه الشاعر ببساطة وعفوية ولغة تقترب من لغة التخاطب اليومي حتى تصل لدرجة العامية والسوقية، وهذا لا يوجد في المدرسة الكلاسيكية والرومانسية وغيرهما. ومما يجدر بالذكر أن هذه المدرسة تتميز بالغموض والإغراق بالإبهام والرمز والأسطورة، كما أنها تعتمد على وحدة الوزن، ولكنه لا تتقيد بعدد ثابت من التفعيلات في أبيات القصيدة.
مدرسة الديوان
في الواقع أن مدرسة الديوان حركة أدبية تجديدية في الشعر العربي الحديث، ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وتكونت هذه الحركة الأدبية من الشعراء الثلاثة: عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وعبدالرحمن شكري الذين تأثروا تأثرا كبيراً بالمدرسة الرومانسية في الأدب الإنجليزي، وسميت هذه الحركة التجديدية بهذا الإسم نسبة إلى كتابهم العظيم "الديوان في الأدب والنقد" الذي أصدره عباس محمود العقاد والمازني سنة 1921م، وأن هذه الحركة الشعرية اشتهرت بأسماء عديدة وهي " جماعة الديوان" و" شعراء الديوان" و" مدرسة الديوان" .
          وأن آرائهم الشعرية تختلف اختلافا كبيرا عن شعراء المدرسة الكلاسيكية المتمسكين بالشكل القديم للشعر من حيث الشكل والمضمون، وأنهم عبروا عما يجول في عواطفهم ووجدانهم ودخائلهم النفسية، ودعوا إلى التحرر من الاستعمار الذي نشر الفوضى والجهل في الوطن العربي لتحطيم الشخصية العربية الإسلامية، وتحمل المسؤلية والواجبة ، وهاجموا على شعراء مدرسة الإحياء والبعث، وفي مقدمتهم أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم ومصطفى صادق الرافعي وغيرهم.
          وأن الشعراء لهذه الحركة كانوا يفهمون أن الشعر تعبير جميل عن الحياة وما يسود العصرالإنساني من أحداث ومشكلات وصعوبات كما يحسها الشاعر من خلال وجدانه وعاطفته، فليس  منه شعر المناسبات والمجاملات، ولا شعرالوصف الخالي من الشعور، ولا شعرالذين ينظرون إلى الخلف ويعيشون في ظلال القديم، كما أنهم يقولون إن القصيدة كائنة حية، وهم يقصدون بذلك الوحدة العضوية المتمثلة في وحدة الموضوع ووحدة الجوالنفسي،  بحيث لا يكون البيت وحدة القصيدة، بل هي وحدة متماسكة في موضوع واحد، فلا تتعدد الأغراض، ولا تتنافى الأجزاء، بل تأتلف تحت عنوان للقصيدة، فلا يجوز حذف بيت منها أو نقله من موضعه، لأن ذلك يخل بها.
          وأن هذه الحركة الأدبية النقدية تتصف بالخصائص الفنية والمزايا النقدية التي تدور حول الجمع بين الثقافة العربية والإنجليزية، والتأمل في الكون والتعمق في أسرار الوجود، والصدق في التعبير والبعد عن المبالغات، وعدم الاهتمام بوحدة الوزن والقافية، والدعوة إلى الشعرالمرسل، والاهتمام بوضع عنوان للقصيدة ووضع عنوان للديوان ليدل على الإطار العام لمحتواها مثل: ديوان عابرسبيل للعقاد، واستخدام أسلوب الحكاية في عرض الأفكار.
        ولكن عمرهذه المدرسة الأدبية- من سوء الحظ – لم يكن طويلا، إذ فسدت العلاقة بين عبدالرحمن شكري والمازني بعد أن هاجم شكري المازني لاختلافهم في بعض القضايا الادبية، فتوقف عبد الرحمن شكري عن قول الشعر بعد ظهورديوانه السابع" ازهار الخريف" ، كما انصرف المازني عن قول الشعر بعد صدور ديوانه الثاني عام 1917م. وأما العقاد، فبقي وحده إلى نهاية عمره يباشر عمله النقدي في صبر و دأب، إلى جانب نشاطه العلمي متعدد الجوانب، ولكن هذه الأعمال الأدبية والأفكار والآراء العلمية التي حصلت في هذا العمر القصير كانت جليلة  وحولت تيار الادب العربي وتجابت مع الأفكار المهجرية[28].


المصادر والمراجع
1.    الكتاب  :      فن الشعر
المؤلف :      أرسطو
المترجم:       د إبراهيم حمادة
الناشر :        مكتبة الأنجلو المصرية
2.    الكتاب :       نظرية الأدب
المؤلف:       تيري إيغلتون
المترجم:       ثائر ديب
الناشر :        منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية- دمشق 1995م
3.    الكتاب :       مفاهيم نقدية
المؤلف:       رينيه ويليك
المترجم:       الدكتور محمد عصفور
الناشر :        سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون         والآداب -ـ الكويب ،1990م
4.    الكتاب:        دراسات مختارة في نظرية الأدب
المؤلف:       أحمد على ويس
الناشر :        دار كيوان للطباعة والنشر التوزيع الحلبي – دمشق – سوريا
الطبعة :       الأولى 2009م
5.    الكتاب :       المذاهب الأدبية وأثرها في شعرنا العربي
المؤلف:       الدكتور حمدي الشيخ
الناشر :        المكتب الجامعي الحديث – الإسكندرية
6.    الكتاب :       تاريخ الأدب العربي – العصر الجاهلي –
المؤلف :      الدكتور شوقي ضيف
الناشر  :       دار المعارف
7.    الكتاب  :      الأدب العربي المعاصر في مصر
المؤلف :      الدكتور شوقي ضيف
الناشر  :       دار المعارف
الطبعة :       العاشرة
8.    الكتاب :       المدخل إلى علم الأدب
المترجم :      الأستاذ الدكتور أحمد علي الهمداني
الناشر :        دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة – عمان
الطبعة :       الثانية 2010م





 دراسات مختارة في نظرية الأدب للدكتور أحمد محمد ويس  صــــ 189  نقلا من "مدخل إلى النظرية الأدبية، ترجمة: مصطفى بيومي عبد السلام[1]
 دراسات مختارة في نظرية الأدب للدكتور أحمد محمد ويس صـــــــ 159[2]
 المصــــــــدر الســـــــــــــابق                                  صـــــــ 05[3]
 المصـــــــــدر الســـــــــــــابق                                 صــــــــــ 161[4]
 النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، جـــــ 1، صــــــــ 3، مطبعة القاهرة 1311هــــــ[5]
 تاريخ الأدب العربي-العصر الجاهلي- للدكتور شوقي ضيف صـــــــــ 8[6]
 المصـــــــــــدر الســــــــــــابق  صــــــــــــــــــ 8-9[7]
 المصــــــــــــــــدر الســــــــــــــــــــــــابق   10[8]
 9 - نظرية الأدب لـــ" تيري إيغلتون، صـــ  ، قام بترجمته : ثائر ديب ، المطبعة: منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق . 1995، دراسات مختارة في نظرية الأدب صــــ 9

 المصـــــــــــــدر الســـــــــــــــــــــابق ( دراسات مختارة في نظرية الأدب)[10]
 فن الشعر لــــ" أرسطو ، ترجمة وتقديم وتعليق : الدكتور إبراهيم حماده صـــــ 22 و23.[11]
 نظرية الأدب لـــــ" تيري إيغلتون، صـــــــــــــــــ 11[12]
 المصــــــــــــــدر السابــــــــــــــــق[13]
14  ظهر الشكلانيون في روسيا في السنوات السابقة على الثورات البولشفية عام 1917م وازدهروا في العشرينات، إلى ان تم إسكاتهم فعليا من قبل الستالينية. وهذه المجموعة المقاتلة المتمرسة في فن الجدل والمناظرة، نبذت المذاهب الرمزية شبه الصوفية التي كانت قد مارست نفوذها على النقد الأدبي من قبل.
 مفاهيم نقدية لـــــــــــــ" رينيه ويليك، وترجمة: الدكتور محمد عصفور صــــــــــــ 10[15]
 دراسات مختارة في نظرية الأدب لـ" الدكتور أحمد محمد ويس صـــ 6، نقلا من " نظرية الأدب" ترجمة محي الدين الصبحي صـــــــــ47[16]
 مفاهيم نقدية لـــــــ" رينيه ويليك"، ترجمة: الدكتور محمد عصفور صـــــــــ 10[17]
 المصــــــــــــــدر الســــــــــــــــــابق [18]
 دراسات مختارة في نظرية الأدب لـــــــــــــ" الدكتور أحمد محمد ويس صــــــــــــــ 151[19]
 المصـــــــــــــــدر الســـــــــــــــــــــــــابق صـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 152[20]
  21 المصـــــــــــــــــــــــــدر الســــــــــــــــــــابق صــــــــــــــــ  154 نقلا من "نظرية الأدب ومناهج الدراسات الأدبية لــ"د.عبد المنعم إسماعيل
 قراءة جديدة للبلاغة القديمة لـــــــــ" بارت رولان" صــــــ 16[22]
 أيون أو عن الإلياذه، ترجمة: حفاجة وسهير القلماوي صـــــــــــ 151[23]
 دراسات مختارة في نظرية الأدب لــ" د أحمد محمد ويس صـــ 19، نقلا من فن الشعر لأرسطو، ترجمة: بدوي بتصرف[24]
 المجمل في فلسفة الفن لـــ" كروتشه " صـــــــ 55[25]
 المذاهب الأدبية وأثرها في شعرنا العربي لـــ" الدكتور حمدي الشيخ" صــــــ 7-12 ،[26]
 المصــــــــــــدر السابـــــــــــــــــــــــق صـــــــــ 20- 26[27]
 الأدب العربي المعاصر في مصر لـــ" الدكتور شوقي ضيف" صـــ 58- 69 بتغيير الألفاظ والجمل،[28]